الشيخ عبد الغني النابلسي

32

كتاب الوجود

إلى إقامة الدليل على توحيده ونفى الشريك عنه ، فإنه لا يمكن أن يتوهم فيه اثنينية وتعدد من غير أن يعتبر فيه تعين وتقيد ، فكل ما يشاهد أو يتخيل أو يتعقل من المتعدد فهو الموجود « 1 » ، والوجود الإضافى لا المطلق نعم يقابله العدم ، وهو ليس بشئ » ، ثم قال : « وأما الصوفية « 2 » فذهبوا إلى أن صفاته تعالى عين ذاته بحسب الوجود ، وغيرها بحسب التعقل » انتهى . وذكر المحقق الجلال الدواني - رحمه اللّه تعالى - في شرحه على رسالة العضد الشيرازي قال : « ووجوب الوجود عند المتكلمين أن تكون الذات علة تامة لوجوده ، وعند الفلاسفة وطائفة من محققي المتكلمين كونه عين وجود ، ومعنى ذلك أن يكون وجودا خاصّا ، قائما بذاته ، غير منتزع من غيره « 3 » . وتفصيل ذلك أن العقل ينتزع عن الماهية الموجودة في بادئ النظر أمرا مشتركا فيه

--> ( 1 ) حقيقة وحدة الوجود اختلف فيها ، حتى ابن عربى نفسه ، وإن كان قد لامس وحدة الوجود ، إلا أنه في حيرة أمام حقيقتها ، فنراه يتساءل : هل الموجودات انتقلت من حال العدم إلى حال الوجود ؟ أم أدركت أعيان الممكنات بعضها بعضا في عين مرآة وجود الحق ، وهي على ما هي عليه من العدم ؟ أم أدركت بعضها البعض عند ظهور الحق فيها ، فظنت أنها استفادت الوجود وليس إلا ظهور الحق ؟ وهكذا نرى ابن عربى في حيرة أمام طبيعة إدراك الأعيان الثابتة لذاتها ، وإدراك بعضها لبعض . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 56 ) ، طبعة دار الحديث ] . ( 2 ) تصوف وحدة الوجود هو التصوف المبنى على القول بأن ثمة وجودا واحدا فقط وهو وجود اللّه ، أما التكثير المشاهد في العالم فهو وهم على التحقيق تحكم به العقول القاصرة ، فالوجود إذن واحد لا كثرة فيه . أبو الوفا التفتازاني . [ انظر المعجم الفلسفي ، ( 2 / 199 ) ] . ( 3 ) يذهب ابن عربى إلى أن القول بأنه لا يوجد أي موجود وجودا حقيقيّا وأصليّا إلا الوجود الإلهي ، والوجود الحق ، والوجود المطلق ، والوجود الثابت ، والوجود الواحد ، فهو سبحانه كل الوجود ولا وجود لموجود آخر سواه ، فأينما نولى وجهنا فثم وجود اللّه ، الذي لا يوجد في مكان بعينه ، والذي لا يخلو منه مكان . وهذا الوجود الإلهى ليس في حاجة إلى إقامة الحجج والبراهين والأدلة القاطعة على إثبات وجوده . [ التصوف الفلسفي ( 42 ) ] .